ابن قيم الجوزية

604

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

باللّه ، أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله . وهذا بخلاف ما إذا قيل : استغفر اللّه . فقال : أستغفر اللّه . فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من اللّه . فإذا قال : أستغفر اللّه ، كان ممتثلا . لأن المعنى : أطلب من اللّه أن يغفر لي . وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين والتاء ، فيقول : أستعيذ باللّه . أي أطلب منه أن يعيذني . ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه . فالأول : مخبر عن حاله وعياذه بربه . وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه . والثاني : طالب سائل من ربه أن يعيذه . كأنه يقول : أطلب منك أن تعيذني . فحال الأول أكمل . ولهذا جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في امتثال هذا الأمر « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » . و « أعوذ بكلمات اللّه التامات » . و « أعوذ بعزة اللّه وقدرته » دون : أستعيذ ، بل الذي علمه اللّه إياه أن يقول : أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ دون أستعيذ . فتأمل هذه الحكمة البديعة . فإن قلت : فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به ، فقال : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ومعلوم أنه إذا قيل : قل الحمد للّه ، وقل : سبحان اللّه فإن امتثاله أن يقول : الحمد للّه ، وسبحان اللّه ، ولا يقول : قل سبحان اللّه . قلت : هذا هو السؤال الذي أورده أبيّ بن كعب على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعينه ، وأجابه عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقد قال البخاري في صحيحه . حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم وعبدة عن زرّ بن حبيش قال : « سألت أبيّ بن كعب عن